((من قصص الأمانة))
من أجمل ما جاء في كتاب الاعتبار للامير أسامة بن منقذ الكناني تحت عنوان / جزاء الأمانة :
قال حدثني الشيخ الحافظ أبو الخطاب عمر بن محمد بن عبدالله بن معمر العليمي بدمشق أواءل سنة اثنتين وسبعين وخمس ماءة قال : حكى لي رجل ببغداد عن القاضي ابي بكر محمد الفرضي المعروف بقاضي المارستان أنه قال : لما حججت بينما اطوف بالبيت اذ وجدت عقدا مم اللؤلؤ فشددته في طرف إحرامي. فبعد ساعة سمعت إنسانا ينشده في الحرم وقد جعل لمن يرده عليه عشرين دينارا. فسألته علامة ما ضاع له فأخبرني. فسلمته اليه . فقال لي : تجيء معي إلى منزلي لأدفع اليك ما جعلته لك ) فقلت : ما لي حاجة إلى ذلك . وما دفعته اليك بسبب الجعالة، وانا من الله بخير كثير . فقال : ولم تدفعه الا لله عز وجل؟ فقلت: نعم، فقال : استقبل بنا الكعبة وأمن على دعاءي فاستقبلنا الكعبة فقال : اللهم اغفر لي وارزقني مكافأته، ثم ودعني ومضى. ثم اتفق أنني سافرت من مكة إلى ديار مصر، فركبت في البحر متوجها إلى المغرب. فأخذت الروم المركب وأسرت فيمن أسر. فوقعت في نصيب بعض القسوس. فلم ازل أخدمه الى أن دنت وفاته. فأوصى بإطلاقي.
فخرجت من بلد الروم فصرت إلى بعض بلاد المغرب. فجلست أكتب على دكان خباز وكان ذلك الخباز يعامل بعض تناة تلك المدينة. فلما كان رأس الشهر جاء غلام ذلك التانيء الى الخباز ، قلت : يقصد بالتانيء التاجر وسيع الرزق والملاك . تابع بقوله : فقال : سيدي يدعوك لتحاسبه . فاستصحبني معه ومضينا اليه فحاسبه على رقاعه. فلما رأى معرفتي في الحساب وخطي طلبني من الخباز فغير ثيابي وسلم الي جباية ملكه وكانت له نعمة ضخمة. وأخلى لي بيتا في جانب داره.
فلما مضت مديدة قال لي : يا أبا بكر ما رأيك في التزويج؟ قلت : يا سيدي أنا لا أطيق نفقة نفسي فكيف أطيق النفقة على زوجة؟ قال : أنا أقوم عنك بالمهر والمسكن والكسوة وجميع ما يلزمك. فقلت : الأمر لك . فقال : يا ولدي ان هذه الزوجة فيها عيوب شتى. ولم يترك شيء من العيب في الخلقة من رأسها إلى قدمها الا ذكره لي وانا أقول: رضيت وباطني في ذلك كظاهري. فقال لي : الزوجة ابنتي. واحضر جماعة وعقد العقد .
فلما كان بعد أيام قال لي : تهيأ لدخول بيتك. ثم أمر لي بكسوة فاخرة ودخلت الى دار فيها التجمل والآلات. ثم أجلست في المرتبة وأخرجت العروس تحت النمط . فقمت لتلقيها. فلما كشفت النمط رأيت صورة ما رأيت في الدنيا أجمل منها. فهربت من الدار خارجا. فلقيني الشيخ وسألني عن سبب هربي. فقلت : إن الزوجة ما هي التي ذكرت لي فيها من العيوب ما ذكرت. فتبسم وقال : يا ولدي هي زوجتك. وليس لي ولد سواها. وانما ذكرت لك ما ذكرت لءلا تستقل ما تراه. فعدت وجليت علي.
فلما كان من الغد جعلت أتأمل ما عليها من الحلي والجوهر الفاخر. فرأيت من جملة ما عليها العقد الذي وجدته بمكة. فعجبت من ذلك . واستغرقني الفكر فيه. فلما خرجت من البناء استدعاني وسألني عن حالي وقال: جدع الحلال أنف الغيرة. فشكرته على ما فعله معي. ثم استولى علي الفكر في العقد ووصوله اليه . فقال لي : فيم تفكر؟ فقلت : في العقد الفلاني. فإني حججت في السنة الفلانية فوجدته في الحرم او عقد يشبهه. فصاح وقال : أنت الذي رددت علي العقد ؟ فقلت : انا ذلك . فقال : أبشر فإن الله قد غفر لي ولك . فإني دعوت الله سبحانه في تلك الساعة ان يغفر لي ولك وان يرزقني مكافأتك. وقد سلمت اليك مالي وولدي وما أظن أجلي الا قد قرب. ثم أوصى الي ومات بعد مديدة قريبة رحمه الله. انتهى
قلت : هكذا هم الصالحين الموقنين، فحالة هذا القاضي الصالح . قريبة من حالة النبي يوسف بالابتلاء مع فارق التشبيه. فكان ابتلاء يوسف امتداد لابتلاء والده يعقوب عليه السلام ولاخوته رحمهم الله. فكل يبتلى على قدر دينه. فلننظر لزهد القاضي عن جعله الذي منحه التاجر بمكة وابتلاه الله بخدمة القيسيس النصراني ليكافأه على صالح عمله كما كافأ يوسف بوزارة عزيز مصر. والنية عند اخوته لم تكن صالحة. ارجو لكم ايها الجمهور الكريم الاستمتاع بهذه القصة المعبرة..
القارظ العنزي
|